الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
489
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
قال قدس سره وإن علم عدوله عن حكم مخصوص بطريق علمي عدل عما كان عليه أولا إلى ما صار إليه أخيرا وإن كان ظنيا كان الأقوى ذلك أيضا وإن لم توجب هنا قضاء ما عمل أولا ولا إعادته وكان الوجه فيه أن كلا من فتواه الأول والأخير ظني فلا وجه لترجيح الثاني وفيه أنه بعد عدوله عنه يكون حاكما بفساد ظنه الأول فقضية الرجوع إليه ترك الأخذ بحكمه الأول مضافا إلى الاتفاق عليه ظاهرا وقد عرفت إطلاق ما حكي من الإجماع فالوجه المقابل للأقوى ضعيف جدا وهل يجب على المفتي إعلام من قلده برجوعه وجهان بل قولان فظاهر العلامة في غير واحد من كتبه وجوب ذلك وظاهر المحقق عدمه حيث جعل التعريف أولى وهو الظاهر من السيد العميدي حيث جعله أليق واحتج للأول بأن المقلد إنما عمل في المسألة بقول المفتي والمفروض رجوعه عنه فلو استمر لبقي عاملا بالحكم من غير دليل ولا فتوى مفت وأنه روي عن ابن مسعود أنه كان يقول باشتراط الدخول في تحريم أم الزوجة فلقي أصحاب رسول الله صلى اللَّه عليه وآله وذاكرهم فكرهوا فرجع ابن مسعود إلى من أفتاه بذلك قال سألت أصحابي فكرهوا وأنت خبير بأن ما حكي عن ابن مسعود على فرض صحته ودلالته على رجوعه وعلى كون الإعلام على سبيل الوجوب لا حجة فيه وما ذكر من لزوم كونه عاملا بالحكم من غير دليل ولا فتوى مفت فمدفوع بأن المفروض كونه أخذا بالحكم عن فتوى المفتي بانيا على استمراره من جهة الاستصحاب المقطوع حجيته في مثل المقام فلا يكون أخذه بالحكم خاليا عن المستند ولذا يحكم بصحة أعماله حجة القول الثاني الأصل السالم عن المعارض لبطلان حجة القائل بالوجوب ولزوم الضيق والحرج الشديد بناء على وجوب الإعلام سيما مع تشتت المقلدين في البلدان وظاهر السيرة المستمرة الجارية بين العلماء الإعلام لشيوع تجدد الآراء مع عدم تعرضهم للإعلام مضافا إلى ما في ذلك من سقوط اعتماد العامة على اجتهاد المجتهدين وتنفر طباعهم عما يفتون به من أحكام الدين أقول وتوضيح الكلام في المرام مع خروج من خصوص المقام أن يقال إن الرجوع عن الحكم إما أن يكون في الأحكام أو في الموضوعات وعلى كل حال فإما أن يكون من المجتهد أو من المقلد كما إذا حكى العدل فتوى المجتهد ثم تبين له فساد حكايته أو شهد في خصوص واقعة ثم تبين له خلافه ثم الرجوع إما أن يكون بقطعه بخلاف ما حكم به أو بظنه ذلك أو بتردده ثم إن ذلك إما أن يكون في المسائل القطعية التي لا تكون مورد الاجتهاد أو غيرها من المسائل الاجتهادية وعلى كل حال فإما أن يعلم بأخذ الغير بقوله وجريه عليه بعد ذلك أو يعلم بعدمه أو لا يعلم شيئا منهما فنقول إن الذي يقتضيه الأصل في جميع ذلك في صورة علمه بعمل الغير به هو وجوب الإعلام مع الإمكان نظرا إلى أن إيقاع المكلف إلى ما يخالف الواقع علما أو ظنا إنما كان من جهته فلا بد من تنبيهه وإرجاعه عن ذلك وجواز عمله بالحال لا يقضي بجواز بقائه على حاله إذ المفروض كون جواز الجري عليه من جهة جهله بالحال وكونه مقدورا من جهته لا لكونه هو المكلف به بحسب الواقع ألا ترى أنه لا مجال لإنكار وجوب الإعلام في كثير من صور المسألة كما إذا شهد الشاهد عند الحاكم ثم تفطن أن الأمر على خلاف ما شهد به وكذا الحال فيما إذا علم باشتباهه في حكاية قول المجتهد وكذا لو علم المجتهد بفساد حكمه الأول سيما فيما يتعلق بأموال الناس ولو تم ما ذكر لم يجب الإعلام في شيء من الصور المذكورة مع وضوح خلافه نعم لو قلنا بأن كلا من حكمي المجتهد حكم ظاهري تكليفي يجوز الجري عليه في حكم الشرع إلا أن يعلم عنه خلافه فلا يكون العدول باعثا على رجوع المقلد عن الأول في حكم الشرع إلا بعد بلوغه إليه فيكون عدوله حينئذ كعدمه بالنسبة إليه أمكن القول بعدم وجوب الإعلام إلا أن الظاهر خلافه إذ المكلف به بحسب الواقع أمر واحد والطريق إليه في ظاهر الشرع هو ما ظنه المجتهد والمفروض صيرورة ظنه الأول وهما خارجا عن كونه مظنونا فوجب على المجتهد ومن يقلده الأخذ بالثاني وجواز أخذ المقلد بالأول قبل علمه به إنما هو لحكمه ببقاء الظن ومعذوريته في جهالته بذلك على نحو نظائره من موارد الجهل حسبما أشرنا إليه فوجوب عمله بذلك فعلا لكونه هو المظنون عند المجتهد سابقا فيجعله الآخذ به حكما شرعيّا من حيث تعلق ظن المجتهد به في الزمان السابق وجهله بعدوله عنه وبون بيّن بين الاعتبارين وعدم وجوب الإعلام إنما يتفرع على الثاني ولا تغفل هذا وإن علم عدم الأخذ به والظاهر عدم وجوب الإعلام مطلقا لانتفاء الباعث عليه ومجرد اعتقاده بما يخالف الواقع لا يقضي بوجوب الإعلام وأما مع جهله في الحال ففي وجوب الإعلام وجهان من الأصل ومراعاة الاحتياط لاحتمال أخذه به فلا بد من إعلامه لئلا يقع في الخطاء من جهته إذا عرفت ذلك تبين لك ما يرد على الأدلة المذكورة للقول بعدم وجوب الإعلام أما الأصل فما عرفت وأما لزوم الضيق والحرج فإنما يتم لو قلنا بوجوب ذلك ولو مع جهله بعلمه به وأما إذا قلنا باختصاصه بما إذا علم بذلك فلا لتوقفه على العلم بحاجة المقلد إلى تلك المسألة وبنائه في العمل على مجرد الفتوى دون الرجوع إلى الاحتياط والعلم بذلك ليس أغلبيا حتى يلزم العسر والحرج ومنه يظهر ما في دعوى السيرة إذ قيامها في صورة العلم بالأمرين غير واضح فأقصى ما يلزم من ملاحظة السيرة عدم وجوب الإعلام مطلقا لا عدم وجوبه مع علمه بعمل المقلد بفتواه السابق فغاية ما يسلم من لزوم الحرج ودعوى السيرة هو عدم وجوب الإعلام مع الشك في عمل المقلد بفتواه وهو لا يستلزم المدعى فظهر بما قررنا أن الحكم بعدم وجوب الإعلام مطلقا كما يظهر من بعض الأفاضل ليس على ما ينبغي بل الظاهر فيما إذا قطع ببطلان فتواه السابق وعلم عمل المقلد به سيما إذا كانت المسألة قطعية وأما إذا ظن بخلافه أو تردد في المسألة مع قضاء أصل الفقاهة عنده بخلاف ما أفتى به أولا فالحكم بعدم وجوب الإعلام مع العلم بعمل المقلد به لولا إعلامه بالحال فلا يخلو عن الإشكال سيما بالنسبة إلى مسائل المعاملات مع تصريح جماعة هناك بعدم مضي ما وقع بفتوى المجتهد حال ظنه بالحكم بعد رجوعه عنه إذا لم يضم إليه حكم الحاكم كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله ولو سلم قيام السيرة في المقام أو لزوم الضيق والحرج التام فإنما هو في هذه الصورة دون غيرها فلا بد من الاقتصار عليها في الخروج عن مقتضى القاعدة المذكورة فتأمل بقي الكلام في المقام في الأعمال الواقعة على مقتضى فتواه الأول قبل رجوعه عنه فهل يحكم بمضيها بعد العدول عنه أولا وتفصيل القول في ذلك أن الأخذ بالفتوى الأول إما أن يكون في العبادات والطاعات أو في العقود والإيقاعات أو في الأحكام وعلى كل حال فإما أن يقطع المفتي بفساد فتواه السابق أو يظنه أو يتردد فيه وعلى كل حال فإما أن يكون المسألة قطعية أو اجتهادية ثم إنه إما أن يراد معرفة حال